الموت هو الحلّ..!

كتبهاابو حسان (ايمن الشلتوني) ، في 4 أيلول 2009 الساعة: 10:55 ص

 

الموت هو الحلّ..!

في طفولتي الغابرة… كنت أجد حلاً واحداًً لكل مشاكلي مع الآخرين… كان حلاً بسيطاً لا يكلفني شيئاً من الجهد والعناء… لقد كنت دائماً أتمنى الموت لكل من يسبب لي معضلة حقيقية أو مشكلة كبيرة لا أستطيع لها دفعاً… وربما تطور هذا التمني إلى دعاء حارّ وابتهال خاشع بأن يقضي الله عليه ويريحني منه إلى الأبد…

تذكرت تلك الأمنيات والدعوات عندما سمعت ابنتي الصغرى تدعو على معلمتها الجديدة قائلة: ليتها تموت ونرتاح منها!! وتذكرت ذلك قبل أيام عندما سمعت ابني الكبير يدعو على أولاد الجيران المزعجين بالموت لكي يرتاح من شرهم!!…

وتساءلت في نفسي… لماذا لم أعد ألجأ إلى هذه الأمنية وهذا الدعاء بعدما كبرت وناهزت الأربعين من عمري؟!

مع أنني وللأمانة بقيت محتفظاً بهما حتى مراحل متقدمة من الصبا!

لقد علمتني الحياة أشياء كثيرة بهذا الخصوص… جعلتني أنزع فكرة تمني الموت لخصومي…

منها على سبيل المثال… أن هؤلاء المشاكسين المتعبين هم قدر ثابت في الحياة الدنيا… لا يزالون يتربصون بك في كل مكان وكل مرحلة من حياتك… وليس هناك أمل بالخلاص منهم أبداً… فهم جزء مهم من الابتلاء والامتحان الدنيوي الذي لا بد منه للوصول إلى الجنة…

ومنها أن دفع شر هؤلاء له طرق عديدة جداً قبل التفكير بموتهم…

ولأن الحاجة أم الاختراع فإن الحياة تعلمك أن تحاورهم وتلتقي معهم في منتصف الطريق في كثير من الأحيان…

وربما استطعت أن تحولهم إلى أصدقاء بالدفع بالتي هي أحسن حسب الوصفة القرآنية الكريمة… وربما لجأت إلى آخرين يكفونك شرهم… وربما استكثرت من عناصر القوة المادية والعلمية… مما يكفيك أذاهم رهبة واحتراماً

–يذكرني هذا بالردع النووي!-

وفي أسوأ الأحوال قد تجد الصبر والاحتساب عند الله آخر الحلول…

ومما تعلمته أيضاً أن أكفّ أنا عن استعداء الآخرين واستفزازهم …بأن أتجنب مواقف المنافسة غير المفيدة… أو استعراض العضلات دون مبرر… وبإحسان الخلق مع الناس وكسب قلوبهم وعقولهم والإحسان إليهم والتواضع ولين الجانب… وغيرها الكثير من الصفات التي تقلل الأعداء وتضاعف الأصدقاء…

إن تمني الموت للآخرين هو أسلوب العاجز الضعيف الذي لا يملك حجة يقارع بها أو وسيلة ذكية ليدفع شرور الآخرين من خلالها…

ولعل أخطر ما في الأمر أن تتحول الرغبة في موت الخصم إلى مرحلة التنفيذ العملي… كما تفعل الأنظمة الغاشمة وبعض التنظيمات المتطرفة التي لا تجد حلاً لمواجهة معارضيها بالسبل الحضارية مثل الاحتواء والالتقاء والحوار وقبول الآخر…

الغريب في الأمر أن الكثيرين ممن دعوت عليهم بالموت… ثم ماتوا بالفعل بعد سنين –بفعل القدر وحده!- بكيت عليهم بحرقة وحزنت لفراقهم!!

فأنت تكتشف مع التقدم في العمر أن حكمك على الناس يكون مبالغاً فيه أحياناً كثيرة… وتجد بعد فوات الأوان أنك كنت ظالماً في تمنّيك الموت لهم…

وأنهم ربما كانوا يقصدون لك الخير في قسوتهم عليك… أو لم يجدوا الأسلوب الأمثل لتوصيل نواياهم الحسنة إليك…

ألم يقل الشاعر:

بكيت على عمرو فمات فسرّني

فجاء زمان بكيت فيه على عمرو !


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “الموت هو الحلّ..!”

  1. (والصلح خير)…
    لفتة جميلة…
    بارك الله فيك…

  2. عزيزي أيمن

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    نورث لأولادنا كل شيء بما في ذلك الطباع
    لتدور الحياة ضمن سلسلة محكمة تتشابه من خلال
    أحداث تكرر نفسها، لنقف وكأننا نعثر على أنفسنا من جديد… (أعلم أن الموضوع بعيد عما اتحدث عنه أنا هنا)
    وانك تعني أمرا آخراً لكنني أصاب بالدهشة تصل إلى حد الصدمة في بعض الأحيان، حين تصدر عن ولدي بعض تصرفاتي تلك التي عاشت معي طفولتي، وكأنه يتنفسها فيكررني في طفولته…
    لا أدري أثار هذا الإدراج في داخلي أمورا كثيرة هذا الصباح …ليت الزمان يعود بتلك العداوات الوهمية وتلك الطوش المفتعلة، ثم في آخر المطاف ننتهي بين أحضان والدينا….

    وفعلا هذا البيت يلخص أشياء بحجم هذه الدنيا:

    بكيت على عمرو فمات فسرّني

    فجاء زمان بكيت فيه على عمرو !

    تحياتي أخي أيمن
    وجزاك الله خيرا

  3. أخي أيمن
    موضوع جميل ويتطرق الى جوانب وأفكار كثيرة في الحياه..
    ولكن هناك ما هو أسوأ من الضعف والجبن وهو أن لا يجرؤ شخص حتى بأن يكون ضعيفا و يتمنى الموت لخصمه( ولا أجد مسمى لهؤلاء الأشخاص ) عندما حدثت المجزره في غزة لم أسمع أي مسؤول يجرؤ أن يكون ضعيفا ويتمنى الموت لإسرائيل ؟؟؟؟
    فقد كنت في طفولتك أصلب بكثير ممن يتصدرون الصحف ونشرات الأخبار في التلفاز ..
    وجزاك الله خيرا

  4. استاذناابو حسان (ايمن الشلتوني)سلام تام

    موضوع جد مهم فعلا رغم انه لا نرد له البال..فكلنا يقع في مشاكل و تحل عليه سويعات من الكدر،و حسب درجة إيماننا و تعقلناو قدرتنا على التحمل تنبثق الحلول..و انا كنت صغيرا أتمنى الموت لكن لنفسي حتى ارتاح من عنائيو المشاكل التي اقع فيها..و حتى لكي انجو من جهنم لني كنت أخاف منها لو إرتكبت معصية في الكبر.
    و غالبا قادتنا لعجزهم عن التوصل غلى حل عقلاني فإنهم يعيدون تطبيق امنياتهم في الصغر

    مع محبتي
    سعيد منير

  5. نفس الأمنية كنت أحملها واضمرها في نفسي وهي تمني الموت لبعض الأشخاص ولكني تخلصت منها عندما أدركت أن النفوس مسؤول عنها الله عز وجل ، وأن أمنيتي هذه قد تكون نوع من التدخل في شئون هذه الحياة والتي لا نملك أن نحرك شيئا فيها إلا بسند وعون من الله

    فحدثت نفسي أن الآجال مكتوبة، ولكن الظالم سيأخذ جزائه

  6. تحية وسلام وجمعة مباركة

    تقبل مرورنا الأول والعابر



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول

free counters